معالم الدولة في الفكر الإسلامي

محمد جلال لاشين
29 يونيو, 2011

محمد جلال لاشينورد بالمعجم الوسيط : (الدولة : الشيء المتداول ، أو : مجموع كبير من الأفراد يقطن بصفة دائمة إقليما معينة ويتمتع بالشخصية المعنوية ، وبنظام حكومي ، وبالاستقلال السياسي –المعجم الوسيط ص 328).

وتتعدد التعريفات لمفهوم “الدولة”في الفقه الدستوري المعاصر، من أهمها أن الدولة : ( مجموعة أفراد يقيمون إقامة دائمة على إقليم محدد ، ويخضعون لسلطة سياسية- مراجعات فى الفقه السياسى الإسلامى للدكتور عبد الستار أبوغدة ) وهو ما يتقارب مع التعريف اللغوى السابق .. فأركان الدولة إذا ثلاث : شعب – وأرض – وسلطة.

والمفهوم الإسلامي للدولة وأركانها لايختلف كثيرا عن مفهومها فى الفقه الدستورى المعاصر.وهو مايتضح فى المحاور التالية :

المحور الأول:الأساس الفكرى لنظرة الإسلام للسياسة ||

الأساس الفكرى : هو مجموعة الأصول والقواعد النظرية التى تحكم أمرا ما وتشكله وتضبطه . والمقصود هنا قواعد ومبادئ الاسلام التى تشكل الفقه السياسى وتحدد مرتكزاته ومنطلقاته ، وتتلخص فى العناصر الآتية :-

1- الإنسان مخلوق لإله خالق (الحاكمية):فلا يختلف كل ذي عقل بأن الانسان مخلوق ، ولم يخلق نفسه . والخالق جل فى علاه لم يكن ليخلق الإنسان ثم يتركه دون أن ينظم له حياته بما يتناسب مع فكرة الحساب والجزاء على مايصنع من خير نافع أو شر ضار، ولاريب أن الخالق أعلم من المخلوق وأدرى بما ينفعه وما يضره فى حياته وبعد مماته (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )الملك14 وهو مايعبر عنه العلماء بالحاكمية ويقولون بأن الحاكمية للخالق وليست للمخلوق (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ)يوسف40وقوله تعالى(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُوَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)الأعراف54

2-    (تنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )فصلت2: فتشريع الله سبحانه وتعالى للإنسان يتميز بالحكمة والرحمة ، اللتين تحيطاه فى كل شئونه من قبل أن يلتقى أبواه فى الفراش، وحتى يكون جنينا، وبعد أن يهل وليدا ،ثم صغيرا ،فبالغا ،وشابا ، فشيبا ، وميتا مدفونا كريما …الحكمة والرحمة فى شئون الإنسان الفردية ، أو شئونه الإجتماعية …الحكمة والرحمة اللتان ترعيان تكوين الإنسان من حيث هو جسد وشهوة ، وعقل وفكر، وقلب وعاطفة سواء بسواء ،،، فتشريع الله وكلامه (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )فصلت42.

3- نصوص التنزيل متناهية والحوادث غير متناهية (القواعد النصية) : وليس معنى أن الله عزوجل لم يترك شيئا يخص الإنسان إلا ونظمه له ، وأنزل له أحكامه – أن ينص على كل صغيرة وكبيرة نصا خاصا لهذا الشيء أو ذاك بعينه ..بحيث يتحول القران إلى كتاب فيزياء أوكيمياء أو أحياء أوطب أو سياسة أواقتصاد أواجتماع ..فالحوادث التى تعرض للإنسان غير متناهية أما نصوص التنزيل فمتناهية .

فكيف يكون التوفيق إذا بين كون الخالق جل فى علاه هو الحاكم والمشرع لكل شيء -وبين أحكام الإسلام التي لم( تنص)على كل موقف أو حادثة بعينها تعرض للإنسان أويتعرض لها؟..

والجواب : أن نصوص الأحكام الشرعية الإلهية متمثلة في (القران والسنة)تنقسم الى قسمين :

القسم الأول:نصوص متعلقة بالعقائد والعبادات – وهى في أغلبها نصوص قطعية الدلالة ترسم معالم أركان الإيمان ،وتعرض لتفصيلاتها أحيانا كالحديث عن وجود الله، وبيان صفاته وأسمائه ورسله وأنبيائه وملائكته واليوم الآخر .. كما تحدد المعالم الرئيسية والتفصيلية للعبادات التوقيفية والفرائض وأركان الإسلام وما يتبع ذلك من الحديث عن أصول المحرمات والمنهيات ، والتى لامجال للإنسان في معرفتها إلا من خلال (النص)، ولامجال للعقل والإجتهاد فى هذه النصوص إلا الإجتهاد فى فهمها واستبيان مدلولاتها لما كان منها غير قطعى الدلالة.

القسم الثانى :نصوص متعلقة بحياة الإنسان ومعاملاته وعاداته _ وهذه النصوص تأخذ شكل القواعد والمبادئ العامة كأطر دستورية محددة ..تتعارف عليها كل العقول ولاتنكرها الفطر الإنسانية السليمة ..هذه النصوص هى معظم الدين وهى المخرج من كل إشكال والحل لكل تساؤل واستفهام ، سماها القرآن (المحكمات) ودعانا بأن نرد إليها المتشابهات .

هذه القواعد النصية :مبثوثة فى القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة ، وإن كان اعتناء القرآن بها أوسع وأشمل وأكمل ..تذيل بها الآيات ، فى سياقات متعددة ، تعقيبا على حكم ،أو ختاما لقصة ، أو استئنافا بذاته ، وحق بذلك أن يوصف القرآن بأنه هدى ونور .

هذه القواعد هى سر خلود الشريعة الإسلامية ، وصلاحيتها الدائمة لضمان استقامة الإنسان وورعاية منافعه فى كل زمان ومكان – فهى دستور عام يرعى وينظم جميع مجالات النشاط الإنسانى الاقتصادية والسياسية والصحية والبيئية والتعلمية والفنية ، وغيرها.

والعلة فى كون هذه النصوص عامة وكلية : هى أن تستوعب كل تفاصيل النشاط الانسانى بما فيها السياسة والحكم ..فتحرير الإرادة ، وإرساء الشورى ، والتنفير من الظلم ، والدعوة إلى العدل والمساواة ، ورعاية البيئة ،وتنمية الخيروالجمال ، كلها قواعد وأطر تحكم تفاصيل حياته بحيث لايحتاج الانسان إلى السؤال عن كل صغيرة وكبيرة ، فالنظام ملكى أوجمهورى ، وتولى الحكم بالبيعة أوالاستفتاء أوالانتخاب ، ومدة تولى الحاكم مؤقتة أودائمة ..هذه الأمور وغيرها مما يعتبر آليات تطبيقية للقواعد النصية الكلية، تسير فى هداها وتتأطر بحدودها ، وتحقق مقاصدها.

4- التشريع السكوتى :أومايعرف عند الأصوليين بمنطقة (العفو) ، كما جاء فى حديث أبى الدرداء مرفوعا، وحسنه الألبانى(مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالُ ، وَمَا حَرَّمَ فَهوَ حَرَامٌ ،وَمَا سَكَتَ عَنهُ فَهُوَ عَفْوٌ ، فَاقبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَه ( وَمَاكَانَ رَبُّك نَسِيَّا). ومنطقة العفو هذه تملأ كما يقول (الأصوليون) بمثل هذه القواعد النصية ، أو ما استنبط عنها وعرف ب(القواعد الفقهية) ، أو المصلحة المرسلة بضوابطها والتى تعتبر-عند التحقيق- مصدرا للتشريع عند جمهور الفقهاء .

المحور الثاني : معالم الدولة فى الفكر الإسلامى||

وببيان الأساس الفكرى لنظرة الإسلام للسياسة كما فى النقاط الأربع السابقة – يمكن تحديد معالم الدولة فى الفكر الإسلامى فى هذه النقاط :

1- مرجعيتها إسلامية: ترجع إلي الإسلام ، وتنطلق منه ، وتصدر عنه ، وتعتمد أحكامه ونصوصه فى الحكم والتشريع والقضاء والإدارة والعمل ، وتتخذ من قواعده وأصوله أساسا لتحقيق مصالح المواطنين ورعايتها .

2- دولة مدنية : فهى دولة تعتنى بشئون المواطن الحياتية وتهتم بكل نشاطه الإنسانى ،السياسي والإقتصادي والعمراني والتعليمي والصحي والفني ، وتجعل أهلية القيادة فى كل ذلك : للقوى الأمين ، أو الحفيظ العليم ، فأهل التخصص والخبرة هم الذين يقدمون ويستفتون كما يقول الله عزوجل (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ،وقوله تعالى(فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) وقوله أيضا(وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). والخبرة تتوزع على علماء الشرع والدين،والقانون والسياسة والاقتصاد وباقى المجلات دون تعارض .

3- دولة ديموقراطية شورية : دولة قائمة على الشورى ، والإختيار الحر ، تنكر وتحارب الإستبداد بكل ألوانه . أما مجالات الشورى فهي فى (منطقة العفو) ، وفى إطار( القواعد النصية الكلية )وهى كما قلنا تتفق عليها العقول السليمة ، والفطر السوية .فهى لاتحل حراما ولاتحرم حلالا ، إذ التحليل والتحريم حق لله وحده .

4- دولة عدل ومساواة : فرعاياها أمام المسئولية والجزاء سواء بلا تمييز بين أحدهم فى الحقوق والواجبات ، وتكافؤ الفرص .

5- دولة حريات : لاتسلب المواطن حريته فى الاعتقاد والتعبير والتملك والاختيار ، ولكنها تنظم ذلك له بحيث لايتعدى على حرية غيره ….ويتبع ذلك الحديث عن حق المواطن فى المعارضة ونقد السياسات والأوضاع ، ليس هذا فحسب ، فالإسلام يصف المعارضة وصفا إيجابيا ويسميها (النصيحة) والنصح يحمل معنى نقد الأمر وتقديم العلاج …غير أن المعارضة لابد من تنظيمها بما يحقق الهدف منها ، فقد تأخذ شكل الحزب أو الهيئة فى عصرنا هذا.

6- تحافظ على المصالح وترعاها : فالحكومة المنتخبة مؤتمنة عن مصالح الناس العامة تنميها وترعاها ، وتصونها من أى أطماع داخلية أو خارجية ، سواء كانت مصالح فردية أوجماعية.

7- تتمتع بالسيادة : وسيادة الدولة هنا متمثلة فى السلطات الثلاث (السلطة التشريعية ،والقضائية ، والتنفيذية) فهى ترتب بينها بحيث لايحدث تداخل فى السلطات ، أويتقدم أدناها على أعلاها – فالقضاء يحكم بما سنته السلطة التشريعية من قوانين ، والسلطة التنفيذية تقوم على حراسة وتنفيذ أحكام القضاء .

8- تحافظ على أمن المواطن: من الإعتداء الداخلى أو الخارجى ..بما يهييء الأجواء السلمية للتنمية ورعاية المصالح …وعناصر أمن الدولة هنا يقفون مع المواطن وفى خندقه يحرسونه بعيونهم ضد عوادى الزمان والمكان .

9- وأخيرا-دولة دعوة ورسالة : فنحن نتحدث عن دولة (إسلامية ) لها رسالة تميزها ، ومهمة لاتغيب عنها …هذه الرسالة هى رسالة الإسلام من حيث هو دين يدعو الى سعادة الإنسان فى دنياه وآخرته ..والدولة الإسلامية معنية بالحفاظ على الإسلام فى نفوس أبنائه ، تغرس فيهم قيمه وتعاليمه ومبادئه ، وتدعوا غير المسلمين إلى الإسلام بغير إكراه أو جبر .

المحور الثالث :معالم الدولة الإسلامية بين التنظير والفكر ..والأداء والتطبيق ||

وإذا كان الحديث عن معالم الدولة فى الفكر الإسلامى قد أخذ الشكل النظرى فى هذه السطور بحيث يتكامل تصور القارئ للأبعاد الفكرية أوالفقهية لهذه المعالم _ فإنه لمن تتمة هذا التصور أن نتحدث عن الناحية التطبيقية لهذه المعالم

أ‌- لا يشك عاقل فى أن مبادئ الإسلام هى الحجة على المسلمين ، وليس العكس، فإذا كانت هناك خروقات أوأخطاء تطبيقية لمبادئ الاسلام فى الناحية السياسية على مر التاريخ فإن الخطأ واللوم لاينبغى أن يطال المبادئ عينها ، بل يطال المسلمين أنفسهم فى التطبيق والأداء.

ب‌- لابد من تقييم التجارب التطبيقية للأحزاب والحركات فى بلادنا على ضوء من هذه المعالم ، بحيث يمكننا أن نحدد أيها أقرب الى الصواب والتكامل فندعمه ونزكيه ، وأيها أبعد عن الصواب فنقومه ونعالجه .

ت‌- لابد أن يكون المسلم إيجابيا تجاه هذه المبادئ ، فهى ليست واجبات على فئة من المسلمين دون بعضهم ، بل هى واجب اجتماعى عام يشمل كل المسلمين …فإذا لم يكن داعما لها ، أومشاركا فى دعم القائمين على حراستها بالنصح والتوجيه..فلايكون سلبيا أو معتديا عليهم صادا إياهم عن تأدية واجبهم تجاه هذه المبادئ.

وبعد : كان من الممكن أن تطول هذه السطور أكثر من ذلك ، وهى وإن كانت رؤسا فكرية ، وصياغة عجلي ، إلا أنها من الأهمية والخطورة بمكان …وفى الدراسات الفكرية والفقهية متسع لمن يريد الإستزادة والتوضيح.

وأمر آخير: أريد أن أنوه إلى أن الفضل يرجع لعلمائنا وأئمتنا فيما استقيته منهم من رؤية واضحة ، وفكر سديد في التعرف على حقيقة هذه الدراسة ( لمعالم الدولة فى الفكر الإسلامى).

نسأل الله تعالى أن يشملنا جميعا برحمته ، ويرزقنا النور والهدى ، ويجعل لنا من أمرنا رشدا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

LASHEEN2812009@YAHOO.COM


Share
طبــــاعة طبــــاعة