بين علمانية الدولة وثوابت المجتمع … “فنّ الاستعصاء” على “الوعي المستورد” والإقصاء

رياض الجوادي
17 يونيو, 2011

رياض الجوادينحن في زمان لا وُجود فه لمفاهيم “بريئة”، خاصة تلك التي تفد علينا من المجتمعات التي أضحت علَما على التّفنّن في “صناعة المفاهيم”، وعلى البراعة في “إدارة حروب المفاهيم”، تسندها ماكينة إعلامية دعائية ضخمة، ومراكز دراسات إستراتيجية ترسم الخطط المحكمة لإعادة تشكيل الوعي الإنساني، وتُولي اهتماما خاصّا بالوعي العربي الإسلامي لِما أظهره من “الاستعصاء” على سياسة “التدجين” و”التعليب” العالمي. وقد بدأَت تُدركُ منذ زمن بأنّ مرجع هذا الاستعصاء هو تلك “الثوابت” الإسلامية التي مازالت تفعل فعلَها في شخصية العربي المسلم من “المغرب” حتى “إندونيسيا”، وهي التي مازالت تضمن ذلك الزّخم الهائل والاستثنائي من “الاستنفار” و”التعبئة” في مواجهة كلّ ما يُمكن أن يمَسّ تلك الثوابت.

1 – اللائكية ( العلمانية  ) تحييد للثوابت:

وأمام هذا النوع “الغريب” وغير المفهوم من “المرابطة” و”الاستعصاء” الذي يكاد يكون تلقائيّا، كان لا بدّ من سياسة “إقصاء” و”التفاف” و”احتواء”. وما رأيناه ومازلنا نراه من محاولات تجفيف المنابع، منابع الدين والثقافة العربية الإسلامية، ما هو إلا تجلّ من تجلّيات “الإقصاء” للمقوّمات الأساسية للشخصية العربية الإسلامية حتى يُضْمَن تسليمُها للوصفات الجاهزة التي تَفِد عليها، وحتّى يُسعَد بأن يُرَى اصطفافُها مع غيرها في “طوابير” الاستهلاك “القيميّ” و”الثقافي” بعد أن شُوهِدت وهي تَكْرع دون قيد أو شرط ما يُملى عليها من موادّ صناعية وفلاحية وخدماتية.

ووسط إرادة “التركيع” الثقافي التي يَشِي بها خطابُ الغالب منذ انتدب نفسَه “معمِّرا” لأرض الغير قسرا في حروب “استعمارية” لم تنجح في أن تُبلِّغَه مطالبَه كاملة، إلى أن انتدب نفسَه وصيّا على “حقوق الإنسان” يُوزّع شهاداتها ونياشينَها على من يشاء، ويُعلّقها على صدورٍ لم تكن دائمًا مخلِصة لأوطانها ورسالتها، بِيَدٍ لم تكن أبدًا بريئةً من التّلاعب بمصائر الشعوب، ولا بريئة من دماء الأبرياء في العراق وفلسطين وفي مواطن كثيرة من قبلهما ومن بعدهما، ولا بريئةً حتّى من التفنُّن في انتهاك حقوق الإنسان، وما سجن “أبو غريب” ولا سجن “غوانتنامو” عنّا ببعيد

وسط إرادة التّركيع هذه، كانت “حرب المفاهيم” قائمة على أشدّها، تُهيّئ العقول لاستعمار من نوع جديد، وتحاول اختراق ما تبَقّى من الثقافات المتحصنة خلف “ثوابتها”، وبلغ العبث بالمفاهيم أنّك صِرت ترى من يعتَبر دفاعَ المستضعَفين عن أنفسهم بأجسادهم وبفلذات أكبادهم “إرهابا” لا يُمكن تفهّمُه بحال، بينما يعتبر قصفَ “المستعمَرين” العُزّل والمحاصَرين في كلّ مكان بطائرات لا تُميّز بين كبير ولا رضيع، أو بين حجارة تُنسف ولا كبِد أُمّ يُفتّت، ترى ذلك دفاعا عن النفس مشروعا، واستعمالا للعنف متفهَّمًا، لن يبلُغ أبدا أن يكون إرهابًا، مادامت المصانعُ التي “تصكّ المفاهيمَ” هي التي تُوزّع الحقّ لا بإرادة الحق والعدل، بل بإرادة القوّة والغلبة، إذ في منطق هؤلاء “لا حقّ” ولا “عدل” مطلقان لذات الحقّ والعدل، وإنما الحقّ هو “حقّ الأقوى والغالب” وما تُمليه مصالحه، والعدلُ هو عدل المنتصر والموزّع للمفاهيم كما يشاء، وكأنني بهؤلاء يُحقّقون مصداق ما قاله “ثراسيماخوس” في حواره مع سقراط: “إنني أُعلن أنّ العدالة ليست إلا صالح الأقوى”[1]. ولذلك كان لا بدّ من وجود حقّ وعدل مطلقين ومحايدين في حياة الإنسانية، لا يخضعان لأهواء الطبقة المسيطرة داخل البلاد أو خارجها، وهو ما يُفسّر كما سنرى في فقرات قادمة مشروعية ظهور الأديان بل وحتميّة ظهورها واستمرار ثوابتها راعيةً للحقّ المطلق الذي لا تتنازعه الأهواء، مهما رُفعت شعارات التشويش على هذه الضرورة بمقولات مثل “نسبية الحق” أو “نسبية العدل” أو “نسبية القيم” والتي وإن كانت قد تجد لها بعض المشروعية فيما يتعلّق بالتنزيل في الواقع، وفي تعلّقها بالوقائع المختلفة، ولكنها تبقى في “المستوى المثالي” معانيَ مطلقةً غيرَ قابلة للتّحريف والتزييف، لأنّنا أصبحنا نعيش أيامنا هذه سطوا على “ثوابت” الأمة والبشرية جمعاء، وجرأةً على تحريفها كلِّها سواء في “مثالية معانيها” أو في “واقعية تنفيذها“…

من رحم هذا الواقع “المتخَم” بعدل لا يُشبه العدلَ في شيء، والمغرم بحقّ لا يعرف الحقّ في شيء، والمجنّدة فيه كلّ الطاقات حتّى من داخل تلك الأوطان المملوءة جراحا، لا يُمكن أن ننظر إلى أيّ مفهوم مُصدّر على أنّه بريء من ألف معنى ملغومٍ عُبّئت به كلُّ حروفِه لينسفَ ما تبقَّى من شرف “الاستقلال” وشيء من “الموضوعية” في بناء الخيارات داخل مصانعنا الثقافية دون أن تَغِيب عن وعينا تلك التّرسانة المفاهيمية التي تفِد علينا معبّأة بألف فيروس، بعضها جاء عرضا لأنّ إرادة التعقيم لم تكن حاضرة بالقدر الكافي، ولكنّ أغلبَها أُسكن فيها عن وعي بعدما خُبّئ في ثنايا التاريخ لمثل هذه اللحظة التاريخية في تاريخهم وتاريخنا.

وسط هذا المحيط الآسن بكلّ معنًى “براجماتي” بلغ حدّ الانتهازيّةِ، والمتفلّتِ من كل ثابتٍ يُضيّق من مساحة حركة “رؤوس الأموال” التي لم تعُد تعرفُ “وطنًا” إلا ذاتَها ولا قيَمًا إلاَّ قيمها، والحريصِ على إعادة تشكيل الوعي والتاريخ والجغرافيا لمصلحة الغالِب والمهيمن طبعا، لا أقدر أن أتَّخذ موقفا حياديّا من اللائكية (العلمانية على الطريقة الفرنسية)، لأنها دعوة إلى القطع مع الثوابت، ولأنها وهي تزعم مُجرَّد الفصل بين الدين والدولة، تلعب “لعبة الحياد” لحجب المقاصد والغايات البعيدة التي ترنو إليها. إنّ هذه الآلية التي تزعم لنفسها الحيادَ، تُخفي وراء حيادها المزعوم موقفا “تَحيِيدِيًّا” خطيرا لكلّ ما هو قيميّ وأخلاقيّ.

لقد تراكمت لللائكية مع الأيّام والتجارب دلالاتٌ ومعاني كثيرةٌ حتّى أضحت جدارَ فصل بين “القيم” من ناحية وبين “التشريع” و”القرارات” و”المواقف” من ناحية ثانية، وبذلك فهي ليست آليةً لرعاية الحرية الدينية كما يزعمون، بقدر ما هي أداة لإفراغ الدّولة وكلِّ نظمِها ومؤسساتها من أي مرجعية أخلاقية إسلامية تكفل رعاية تلك الثوابت الإنسانية، وبذلك تضمن لرأس المال العالميّ الممسِك بتلابيب العالَم أن يُصَدّر المفاهيمَ التي يُريد، ويروّج الأنماط الاستهلاكية التي يشاء، ويُشكّل العقول كما يُحبّ دون ممانعة من أحد، ولا اعتراضٍ من مخالف، ولا استعصاء من قيمة ولا قانون أخلاقي.

وإذا كنّا من قبلُ نطرح مسألة “الثابت والمتغير” في الثقافة الإسلامية دفاعا عن حقّ “المتغير” في ظل وعي إسلامي دفعته “حمائيتُه” و”خشيتُه من الذوبان” إلى أن يُثَبّت كلَّ شيء، فإنّي اليوم أطرحها لمقصد مغاير تماما، ذلك أنّ بعضَ أهلنا يعملون اليومَ على نسف كلّ ثوابت الأمة من خلال الدعوة إلى علمانية الدولة، غيرَ غافل على أن هذا البعض ليس واحدا في مرجعيّته وأهدافه:

- فبعض هذا البعضِ لا يعي أبعادَ دعوته، وإنما يُدافع عنها حرصا على تحديث الفكر الإسلامي وتغيير واقع المسلمين

- وبعضه الآخر يعي فعلا ما يُريد، ويدعو إلى “اللائكية” لتحجيم حضور القيم الإسلامية في الواقع السياسي والاجتماعي لأنه لا يؤمن بجدواها، ويراها تُمارس عليه في حياته الشخصية، أو في واقعه الاجتماعي، ضغطا آن الأوان أن يتخلّص منه.

ولكِلا المرجعيّتين أطْرح هذا المعالجة التحليلية لمسألة الثابت والمتغير في سياق التفكير السياسي للمجتمع العربي الإسلامي، تمهيدا لكشف نماذج من المغالطات التي يُرفَع لواؤها في هذا المنتدى الفكريّ أو في ذاك، وهي مغالطات تتّصل بعلاقة العَلمانيّة “مفهوما” و”ممارسةً” بالمسلمين عموما، وبالتونسيين خصوصا

2 – فلسفة الإسلام في الثابت والمتغير:

لا يمكن فهم المسألة الحضارية والاجتماعية والسياسية في الإسلام إلا من خلال معادلة الثابت والمتغير. وللإسلام في هذه المعادلة فلسفةٌ يمكن رسم معالمها في النقاط التالية:

- الثابت أساس للوحدة الثقافية والحضارية التشريعية، والمتغير أساس لمواكبة المتغيرات ومراعاة الفروق بين الأفراد والأزمنة والأمكنة والأحوال، في ظل تقديم الإسلام لنفسه دينا خاتما، ورسالةً صالحةً لكل زمان ومكان.

- الثابت ضمين لعدم الخروج عن الخيارات الكبرى للإنسان والمجتمع، والمتغير ضمين للحيوية والحركية التي تستدعيها طبيعةُ الحياة.

- الثابت يُضفي الخصوصيةَ على المجتمع والفرد، والمتغير يُتيح مساحةً واسعةً لحركة الإبداع والابتكار.

- الثابت حق الله ظاهرا، والمتغير حق الإنسان دائما. وقد قلت بأن الثابت حق لله في الظاهر، لأنه بإمعان النظر، تجد أن حقَّ الله غالبا ليس إلا حقّ المجتمع، أو حقَّ الإنسانية، أو حقَّ الفطرة في الإنسان، لأن الله في منظوراتنا الدينية لا مصلحة له فيما نفعل، بل كل المصلحة لنا، أدركنا منها ما أدركنا، وغاب عنا ما غاب.

وإذْ قد بلغتُ هذا الحدَّ من تحليل المسألة، فلا بدّ أن أسوق ملاحظتين أساسيتين:

1- الأولى، أن إظهار العبودية لله يكون بتثبيت الثابت بقدر ما يكون بتغيير المتغيِّر، لأنَّ كليهما تجلّ من تجليات الفقه في الدين:

- ردا لله وللرسول، إذ أني أفهم قوله تعالى: “فردوه إلى الله وإلى الرسول” (النساء: 59) على أنّه رجوع للثوابت والقواعد الكلية التي هي المرجع والفيصل عند الاختلاف، كما أنها هي الضمين لاتساق التشريع وأساس منظوميته، وجوهر معقوليته.

- واستنباطا ممن يملك الآلة، مصداقا لقوله تعالى: “لعلِمه الذين يستنبطونه منهم” (النساء: 83)

- واحتكاما إلى حقّ “المقصد” وحق “المآل”[2].

كما أن كليهما رعاية للعبودية من خلال رعاية “منطق” الشرع و”منطوقه“.

2- الثانية، أن “الثابت والمتغير” ليس خصوصيةً مميّزة للفكر الإسلامي، بل هو قاسم مشترك بين أغلب مجالات التفكير الإنساني، القديم منها والحديث. أليست كلّها تحتكم إلى “دستور” أو إلى “قوانين علمية” أو إلى “ثوابت وطنية”؟.. إذن، فالثابت موجود عند الجميع تقريبا باختلاف المجالات والمرجعيات.

وبالمقابل، فإنها كلّها تترك فسحة تفكير واجتهاد ونظر لتفسير القوانين أو لتنقيحها أو لتغييرها واستبدالها. وبذلك يظهر أن المتغير –وإن كان أمره أهون- هو كذلك موجود تقريبا في أغلب منظومات التفكير البشري.

لا تعجل عليّ، أعي جيّدا أن هناك فرقا جوهريا بين الثابت في التصور الإسلامي، والثابت في التصورات الوضعية، وهو ما سأحاول بيانه في العنصر القادم.

3 – خصائص الثوابت الإسلامية:

إنّ أهمَّ ما يميّز بين الثوابت في منظومة التفكير الإسلامي والثوابت في المنظومات الوضعية أمران أساسيان:

- اختلاف المرجعية،

- الامتداد الزمني للثابت.

أولا: اختلاف المرجعية:

إذا أخذنا هذا الفرق الأوَّلَ، وسلَّطنا عليه أنظارَنا النقديّةَ بعيني “الإيمان” و”التعقل”، أدركنا أنّ هذه المرجعيةَ ذاتُ الخصوصية في المنظور الإسلامي تهدف إلى تحقيق أمر يشهد لسان حال الواقع البشريّ بأنه من الأهمية بمكان بالنسبة إلى حاضر البشرية ومستقبلها، وليس فقط بالنسبة إلى المسلمين وحدهم، وانظر معي إلى هذا الهدف ثم احكم بعد ذلك كما شئتَ على ما أقول بالمبالغة أو التهويل:

إن من أهم ما يُوفّره الدّين (ممثّلا في الإسلام بالنسبة إلى ثقافتنا) للبشرية هو هذه “المرجعية المحايدة” التي تجمع بين “المثالية” و”المعقولية” وتتجاوز التقديرات الاختيارية الآنية للإنسان في حيّز محدود جدّا، ولكنّه خطير جدّا.

قد تسألني بأنّ في ذلك مؤشّرا على عدم الثقة في الإنسان بأنه قادر على رعاية مصالحه بنفسه.

فأقول: إنّ في ذلك عنايةً إضافيّةً من الخالق بالمخلوق، وتقديرا لإرادة التغيير المتجذّرة في الإنسان، والتي أهلته للخلافة في الأرض، وتقديرا للطموح المتدفّق الذي يسكن نفسَه، كما أنّ فيها اعتبارا لإرادة التسلط التي لم يتوقف الإنسان عن إظهارها لصالح شخص أو مذهب أوفئة، واعتبار مصالحها معيارا لمصالح غيرها باعتبار “أنّ العدالة ليست إلا مصلحة الأقوى”[3] على حد ما مرَّ معنا في بعض نصوص أفلاطون، فجاءت لفتةُ الثّابت هذه رحمةً يمكن أن تُدرِك قيمتَها عندما تُجيل النّظرَ في تاريخ الثّوابت البشرية، وكيف أنها بدأت تتهاوى وسط صيحات “نسبيَّة القيم” و”تاريخية الأخلاق“:

- فإذا بظلم المجتمعات لبعضها سياسةً دوليّة مشروعة ونزاعَ مصالح متفهَّم،

- وإذا بزواج المثليين حريّةً شخصية تُقنَّن وينبغي أن لا تُستَهْجن،

- وإذا بالدِّفاع عن الأرض والعرض إرهابًا ينبغي أن يُنزع من الأرض،

- وإذا بالخيانة الزوجية أمرا عاديّا،

- وحتى زواج المحارم قابل للنقاش، وهو أمر متوقّع،

- وإذا بالاستغلال الفاحش للمعذَّبين في الأرض هو جزء من حرية رأس المال وحقّه في الرّبْح والتنقل….

هل ترك الفكر البشريُّ محظورا أو محرما لم يتجاوزْه أو لم يكن مستعدّا لتجاوزه؟!

واطمَئِنَّ، فحتى تلك الغلالة الرّهيفة جدّا من المحرّمات المتبقّية هنا أو هناك احتراما لبعض ما تبقّى من الأيام الخالية، أو احتراما لشيء مما يُسمّى حقوق إنسان، سيُرمَى قريبا باسم حقوق الإنسان تارة، وباسم الحرية الشخصية تارة، وباسم مقتضيات الواقع تارة أخرى.

تلك طبيعة الفكر البشري عندما يتخلّص من أيّ “مرجعية حياديّة” ضامنة لرعاية “خيرٍ موضوعيّ” لا يتأثّر بمصلحة فردٍ أو طبقة أو فئة أو عشيرة أو جيل أو دولة. تلك طبيعة العقل المصلحيّ عندما يُحكّم المصلحةَ دون ضابطٍ مرجعيّ يُوازن بين مصلحة حقيقيّة ومصلحة موهومة، وبين مصلحة فرديّة ومصلحة جماعية، وبين مصلحة آنيّة ومصلحة مستمرة مستقرّة

ثانيا: الامتداد الزمني:

الامتداد الزمني للثابت في المنظور الإسلاميّ كبير، بل وغير محدود. وهذه الخاصية في تناغم كلي مع نظرة الإسلام إلى المسألة الإلهية من ناحية، وإلى المسألة الإنسانية من ناحية ثانية. إنها بعبارة أخرى عيْنُ الوفاء للتفسير الإسلامي للألوهية من ناحية وللطبيعة البشرية من ناحية ثانية:

1- فبالنسبة إلى الأولى، فإن المنظور الإسلامي قائم على أنّ علم الله بالأمور يتّسم بالكمال، فيكون التّسليم للثوابت التي أقامَها اللهُ للبشرية، وهي محدودة جدّا في كمّها، أمرا عاديّا، وكمالاً في ذاته، وعنوانَ “عناية” ومادّةَ “اختبار” بالنسبة إلى المؤمن… ومثل هذه المعادلة سهلةٌ وواضحة في منطق “الإيمان” و”العقل” إذا سلّم بالألوهية منطلقا:

إنّ ما يُدركه عالِمٌ متميّز من حقائقَ وقواعدَ يُضحي حقيقةً وثابتًا من ثوابت البشرية لِمدى قرون، وربما لمدى التاريخ كلّه تسليمًا للخبرة والتخصّص والمعرفة العميقة والعلم. وما تتوصّل إليه مراكزُ بحوث أو مجالسُ نيابيَّة قد يبقى مرجِعا للأُمَّة على مدى زمني طويل، بناء على أنّ الدّساتير لا بدّ لها من فترات ضرورية من الاستقرار والثبات حتّى تُنتج وحتّى يتطوّر المجتمع. فلا غرابة إذن أن يقول العقلُ المؤمن بأنّ ما أعلنه خالق الكون ثابتًا، ينبغي أن يبقى ثابتا أبدَ الدّهر لأنّنا لن نتصوّر مخلوقا أو مؤسسة أو فئة قادرين على أن يأتوا بأحسن مِمّا قدّره الخالق قانونا أبديًّا. مع ضرورة التأكيد على أنّ عنوان التميّز في هذا الثابت داخل التفكير الإسلامي هو أنه ثابت “قابل للتعقّل” و”غير متعال” على التفكير، احتراما للعقل البشري، وتأسيسا لدين خاتم يعتبرُ الإنسانَ ذاتَه رسالةً إلى الأرض ويشدُّ أزره بوحيٍ “متعقّل” و”متفكّر فيه“….

2- وأما الثانية، فمرجعها إلى أنَّ جوهرَ الإنسان لا يتغيّر، وفطرتَه واحدة، أو ينبغي أن تكون واحدةً، وإلا اختلّّ توازنُ هذا الكائن المتفرّد، وقامت قيامتُه بما تجنيه يده. ولذلك تأتي الثوابتُ في التشريع الإسلامي قصد رعاية هذا الجوهر حتّى يستمرّ في العطاء، بل حتّى يستمرّ في البقاء.

انظر إلى أي شيء حرّمه الشارع بيقين ممّا تضافرت عليه الأدلة قرآنا وسنّة، هل تجد شيئا واحدا لم يهدف بوضوح إلى رعاية الإنسان قبل رعاية أي شيء آخر، والإنسان بين “العفّة” و”الإيدز” خير مثال على ذلك.[4]

فإذا أضفنا إلى هذه التفسيرات ما تتّسم به التشريعات الإسلاميّة من معقولية في ثوابتها ومتغيِّراتها، خفّت حدّةُ الفروق بين ما هو شرعيّ وما هو وضعيّ، وتقلَّصت المسافة إلى حدّ كبير، إذ تُضحي كلّ مصلحة يَحتفي بها التشريع الوضعيّ، وكانت مصلحةً يقينيةً عامَّة أثبتت مشروعيتَها الخبرةُ والتجربةُ والبحثُ العلميّ، تُضْحي من هذه الجهة مصلحةً شرعيَّة يرعاها الإسلام ويدعو إليها. وبنفس الاعتبار فإنّ كلّ طريق يُوصل إلى تحقيق العدل في حياة البشرية هو من الشَّريعة ولو لم ينصّ عليه قرآن ولا سنّة على حدّ تعبير “ابن القيم” الذي يقول: “إن الله أرسلَ رسلَه وأنزل كتبه ليقوم النَّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السمواتُ والأرض، فأينما ظهرت أماراتُ الحقِّ وقامت أدلةُ العدل وأسفر صُبحُه بأيِّ طريق، فثَمَّ شرعُ الله ودينُه ورضاه وأمرُه. والله تعالى لم يحصر طرقَ العدل وأدلّتَه وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق. إنَّ مقصدَه إقامةُ الحق والعدل وقيامُ الناس بالقسط، فأيّ طريق استُخرج بها الحقُّ وعُرف العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها”[5]

وبالمقابل فإنّ كلّ حكم شرعي من حيث معقوليتُه ومواتاتُه للاحتياج الحقيقي للإنسان وواقعيته ومراعاته للمصلحة البشرية ومخاطبتُه للوعي البشري هو تشريعٌ وضعيّ ذو طبيعة مدنية صرفة وإن كانت مرجعيّتُه أو منطلقاته دينيّةً، لأنّ البشريََّ كلَّ البشريّ: فكرَه وجسدَه ليس نجِسا في طبيعته أو في أصله!، بل الأصلُ فيه الطهارةُ والإيجابيّة، وإنما الحاكم على ما يبتكره هو مدى مواتاته للمصلحة الحقيقية للإنسان، وتحقيقِه لمعايير العدل، وليس أدلَّ على ذلك من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من “حلف الفضول” حيث “تداعت قبائل قريش على حِلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنّه، وتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلَمه حتّى تُردّ عليه مظلمته، فسمّت قريش ذلك الحلف “حلف الفُضول”[6]. وقد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ ابْنِ جَدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَم[7]، ولو أُدعى به في الإسلام لأجَبْت”[8]

وقد مشى على هذه السجية عمر بن الخطاب في شأن “دواوين” فارس، بل ومشى كلّ أسلافنا غالبا مع كلّ “إنجازات” العقل البشري.

4 – مغالطات حول الدين واللائكية ( العلمانبة ):

المغالطة الأولى: “ثوابت الأمة تضييق على الحرية!!”

المشكلة ليست في وجود الثَّوابت في حياة المجتمعات والأفراد… بل إنّ الأزمة إنّما تكمن في أن تكون تلك الثوابت متعاليةً على التفكير… سواء أكانت ثوابتَ مرجعيّتها قناعات دينية أم قناعات حزبية أم مذهبية وحتى قناعات شخصية يُراكمُها المرء (حتى المثقف) من خلال تجارب شخصية… ويرصفها على بعضها لِتُصبح بناءً متكلِّسا من المفاهيم يُمارِس عمليات الحجب على التفكير الحر، من حيث يزعم ذلك الشخص بأنه حرّ في تفكيره. وبهذا الاعتبار، فإنّنا لا نتصور حريةً دون ثوابت، لأن الحرية التزام واع بثوابت ما، ولو رُحتَ تُحاكم كلّ الخيارات السياسية والفلسفية والدينية بهذا المعنى، فإنك ستبلغ النتيجة ذاتها، وهي أن الالتزام الواعيَ بثوابتَ ما، هو عنوان الحرية الفكرية ومظهره:

فالحرية عند الديمقراطي هي التزام واع بثوابت الديمقراطية… لأنك إذا قلت بأنه لا ثوابت للديمقراطية، فكأنك تقول ضمنيا بأنه لا ديمقراطية

والحرية عند الليبرالي هي التزام واع بثوابت الليبرالية

والحرية في كل مجتمع، هي التزام جمعي واع بما وقع التوافق عليه باعتباره ثوابت لهم

بل إن العقل ذاته لا يقدر أن يفكر إلا من خلال ثوابت… سواء أكانت في المرجعية أم في الآلية

ورغم هذا الوضوح في العلاقة بين “الثوابت” و”الالتزام” و”الحرية”، فإن كثيرين إذا بلغوا الثوابت “الإسلامية” اعتبروا الالتزام بها ضرْبا من التضييق على الحرية… وفي ذلك ما لا يخفى من الوصاية على الحرية وعلى المجتمع في آن:

- وصايةٍ على الحرية يمارسها محتكرو الفهم عندما يُحدّدون متعلّقاتها ومجالاتها تحكُّما دون معايير قطعيَّة تحسم مادّة الخلاف

- وصايةٍ على المجتمع عندما تُحاكم الأغلبين الذين تعاقدوا على ثوابتَ ما، ومارسوا حرّيّتهم من خلالها، على أن اختيارَهم قاصرٌ ويحتاج إلى تدخّل من جهابذة الدّاخل الذين احتكروا الحرية الحقيقية فهماً وممارسةً. كما يحتاج إلى تدخّل خارجيّ من آلهة الحرية الذين يحتكرون توزيع صكوك التحرير على المجتمعات، ويقمعون الحرية باسم رعاية “الحرية“.

مفارقات غريبة ما فتئت تؤرّق التاريخَ مُذْ عرف هذه “الحداثةَ” الفجّة التي تكاد تستأثر بالمعايير النهائية في كلّ شيء، وهي التي ترفع الشّعار وراءَ الشعار بأنّ الحقيقة في حالة صُنع دائم، وبأن النمطيّةَ قاتلةٌ للحداثة، إلا إذا بلغ الأمرُ “أنماطهم” في الحياة وفي التفكير، فما عليك حينها إلا أن تُلقي قلمَك وتغتالَ عقلَك، لأنّ هناك من يُفكّر لك.

وإنّ هؤلاء الذين يمارسون التفريق المتعسّف بين “حرية” و”حرية”، إذا حسَّنا الظن في أدائهم، فإننا سنقرأ موقفهم على أنه مظهر من مظاهر الخضوع لسلطان العادة (العلمية أو التخصصية، وهي لا تقلُّ خطورة عن العادة التي تحكم غير المتخصّص، إن لم تكن أخطر منها، لأنها تَحْجب ذلك المدى من “اللاّعلمي” في المنهج والذي يختفي خلف بهرج الألقاب والعادات والمكانات، وكأن إرادة الاستجابة والخضوع إلى النسق أحب إلينا أو أيسر علينا من الاستجابة لإرادة الحقّ، أو الحقيقة ولو في نسبيتها.

إن الربط بين “الثوابت” و”عدم التفكير” مغالطة منهجية لا يستسيغها لا العقلُ العلمي الذي لا يُفكّر إلا من خلال ثوابت، ولا التّجربة العادية للثقافات أو للأفراد. فما عملُنا في كلّ أوقاتنا، وما أسئلتنا في هذه الصفحات وفي كل صفحات تاريخ الفكر البشري إلا أحد أمرين:

- إما تفكير في الثوابت

- وإما تفكير بالثوابت

وقد سبق أن أشرت في بعض الدراسات السابقة بأنّ التفكير الإسلامي، بما ينطوي عليه من النضج المنهجي، لا يفتر عن كلا النوعين من التفكير:

- التفكير في الثوابت حتى نضمن موثوقيتَها الدائمة في ضوء المتغيرات الفكرية والعلمية… وحتى نُقْدرها على التعبير عن ذاتها بالطريقة التي تتناسب والتحديات الجديدة المطروحة على الحياة… وفي ذلك خدمة حقيقيّة للثوابت وللذات في آن

- التفكير بالثوابت ضمانا للحد الأدنى الضروري للتوافق الاجتماعي الذي من دونه لا يقدر أي مجتمع على الاستمرار في الحياة… والذي من أجله يسعى كل مجتمع إلى أن يحفظ خصوصيته المحددة لماهيته بمعنى ما، ومثاله ما تفعله كل المجتمعات بل حتى الأقليات من محاولات الحفاظ على لغتها وترويجها كثابت من ثوابت كينونتها الحضارية… وهو ما عبّر عنه دوركايم بقوله: “لا يقدر المجتمع على الحياة والاستمرار إلا إذا توفر حدّ أدنى من التوافق بين أفراده”[9]

ومثل هذا المنهج في التعامل مع “الثوابت” يبرّئ ساحة “الثوابت الإسلامية” من كلّ دوغمائية، لأن العقلَ الإسلامي الذي شُكّل في أحضان “البرهان” و”التثبت” و”النظر” و”التفكر” و”التعقل”لا يمكن أن يكون “دوغمائيا“.

أما الثوابت “الدوغمائية” التي هي فوق التفكير، والتي يُريد بعض هواة التّعميم أن يصِمُوا بها كلّ تفكير ديني، جامعين الأديان كلّها في سلة واحدة، فإن ثقافة الأمة العربية الإسلامية حتى في أصولها العقدية لا تعرف الدوغمائية، فما بالك إذا بلغ الأمر مسائلَ المعاملات وشؤونَ السياسة… لأنها كلَّها تطرح نفسها على أنها مشروع مفكّر فيه

وعلى هذا الأساس قال كثير من علماء العقائد في الإسلام بأن أوّل واجب على العاقل هو “النظر” أي البحث في الأدلة والتحليل والتمحيص

وعليه كذلك ناقشوا “إيمان المقلد” وذهب كثيرون إلى أنه غير مُجز، لأنه لا ينبني على دليل

وعليه كان خطاب القرآن استدلاليا وتعليليا في كل ما يطرحه من أحكام ومشروعات فكرية وتشريعية

وعليه كان العلماء يقولون بضرورة الموازنة بين “منطق” النص و”منطوقه“…

وعلى أساسه يقول القرافي: إذا عارض خبر الآحاد القياس القطعي، قُدم القياس القطعيُّ على خبر الآحاد… لأن خبر الآحاد يرعى الحكمة… والقياس القطعي الموافق للقواعد يرعى الحكمةَ… وما يرعى الحكمة أولى بالاعتبار ممّا يرعى الحكم

وعلى هذا الأساس كان القرآن يدعُو قارئيه في شجاعةٍ كبيرة واستثنائية في تاريخ النصوص المقدسة إلى أن يتدبروه “أفلا يتدبرون القرآن” (محمّد: 24) ولو كان دغمائيا كما تفعل مقولات أخرى قديما وحديثا، لقال: إنِّي فوق التفكير، متعالٍ على العقول، فلا تُتعبوا أنفسكم بالتفكير في… بل على العكس صرّح في أكثر من موطن بأنه “معقول” و”متفكّر فيه“…

ولذلك كان يعيب الذين يقولون: “إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون” (الزخرف: 23)

ولذلك حرّم فقهاء كثيرون التقليد في الأحكام الشرعية، وميّزوا بين التقليد والاتباع، والفرق أن الثاني مبني على النظر في الدّليل واتباعه بعكس الأول

وكلّ هذا بعض تجليات معقولية “المرجعية الفكرية” لهذه الأمة

المغالطة الثانية: “يرفض الناس العلمانية لأنهم لا يعرفونها!!”

هذا زعم رأيته في أكثر من مكان، وادّعاء سمعته من أكثر من شخص، وهو خطاب تبسيطي للواقع، لا يخلو من نزعة “ادعائية” مبنية على مغالطات محضة:

كيف يجهل المجتمعُ التونسيّ العلمانيةَ وقد مُورست عليه قصرًا أكثر من ستين سنة، ولم يَجن منها إلا تضييقا على الحرية الدينية، في حين …فُتح الباب على مصراعيه لكلّ مُتلاعب بالهوية، ولكل مُسْهم “بصدق” في تجفيف منابع الإسلام… ثمّ تتساءل بعد ذلك من أين جاء الخوف من العلمانية؟؟؟

كيف يجهل المجتمع التونسي العلمانيّةَ، وقد اتُّخذ القرار دونَه من الذين اعتبروه قاصرا، ونصَّبوا أنفسهم أوصياءَ على المجتمع، وفكّروا عنه، وألزموه بما أرادوا له، منكّلين بكلّ معارض ومعبّر عن التردّد أو الرفض، ومسارعين إلى إظهار الولاءِ وفروض الطاعةِ لنظام القيم ونظام التفكير الفرنسيّ، غير متردّدين قبل ذلك في إعلان كلّ الإعجاب بالثقافة الغربية، وكلّ مظاهر الازدراء للثقافة العربية الإسلامية… ففي نظرته للغرب –كما يقول الجورشي- “بقي بورقيبة مبهورا بأوروبا، ولا سيما فرنسا، ويشعر بأن العروبةَ مغرِقةٌ في التقاليد اللاعقلانية، وأن الوحدة العربية فكرة ديماغوجيّة.”[10]وقد ترجم هذا الولاء وهذا الازدراء في مواقف تجرَّأ فيها على الدّين وعلى الشّعب، حيث أنّه لم يتورّع في دعوة الشّعب التونسي إلى “التخلي عن صيام رمضان، والضغط على المسؤولين والموظفين وطلاب المدارس للاقتداء به، عندما رفع كأسَ الماء، وتجرّعها أمام دهشة الجميع، وذلك بحجة التفرّغ لحسن إدارة معركة التنمية الاقتصادية”[11]

كيف يجهلها المجتمع وهو يرى فرنسا تمنع الفتيات من لبس الحجاب في المدارس باسم اللائكية؟ علما بأن العلمانية الفرنسية هي رائدة العلمانيات. ومثلها كانت العلمانية التركية تفعل مع نسائها ومازالت تفعل في مؤسساتها التربوية والإدارية.

لم تكن المجتمعات العربية التي عانت كثيرا من تسلُّط النظم العلمانية غافلة عن أهداف العلمانية، راضية عن وجودها وأدائها، لأنها كانت حلاّ مُسقطا على واقعهم، لم تنشأ فيه، ولا نبتت في أرضه ولا أملتها احتياجاته، بل أُسقطت عليه إسقاطا ورغْما عن أنفه لمجرد انبهار الطبقة الحاكمة حينَها بالآخر واستمراء التّبعية له، ومساندة بعض من يعتبرون أنفسهم نخبةً له

ومازالت أغلب المجتمعات العربية تنظر إلى الحل العَلماني على أنّه حلٌّ وُلد في المجتمعات الغربية للفصل بين الدّولة وسلطة الكنيسة وتعسّفها، وهو ما قد يجد مبرّره بسهولة في تلك المجتمعات، في حين أنه:

- لا كنيسة في الإسلام،

- ولا تسلط للمسجد أو لعلماء الدين على السلطة السياسية في “المنظور النظري المبدئي” ولا في “الممارسة الواقعية“:

فمن الناحية النظرية المبدئية، فإن المسألة السياسية باعتبارها من مجال المعاملات، تَحكمها قواعدُ غير التي تحكم العبادات:

فإن حقَّ الإنسان فيها غالب على حقّ الله،

وإن مجال الاجتهاد فيها واسع، والقياسات فيها طبيعية،

وإن اعتبارَ المصالح فيها أساسي،

وإن الأعرافَ فيها معتبَرة بدرجة كبيرة،

وإن تغيّرَ الأحكام فيها وارد،

وإن الاستفادة من تجارب الآخرين فيها مفتوح إذا تحقّقت المصلحة،

وإن الخبرةَ فيها مطلوبة بدرجة عالية، “أنتم أعلم بشؤون دنياكم“.

وإن “العدل” فيها هو الأساس

وأما من الناحية العملية، فقد كانت شريحةٌ كبيرةٌ من علماءِ الإسلام يُمثّلون على مدى تاريخ المسلمين المعارضةَ المحقِّقة للتوازن في مسيرة القرار السياسي، يقفون غالبا إلى جانب “المجتمع” وحقّ “الأمة” بعيدا عن القرار السياسي التنفيذي، بل ويرفُضون ذلك الموقعَ التنفيذيَّ أو القضائيَّ في أكثر من حادثة رغم التضييق والسجن والتعذيب، حتى يضمنوا لأنفسهم الاستقلال في الموقف الفكري والقرار الشخصي، ولكنهم في الوقت نفسه لم يختاروا الابتعاد الكليَّ عن نبض أُمّتهم وآلامها وآمالها لأنّ “من لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم“.

كما أنّ المسجد لم يكن قطُّ في “الوعي الجمعي الإسلامي” عنوانَ التّسلّط السياسي أو الاجتماعي، بل على العكس من ذلك تماما، كان المسجدُ دائما موئلَ المحزونين والمحرومين والمظلومين أفرادا كانوا أو جماعات، وكمْ من حركاتِ تحرُّر ومواقف انتصارٍ للمظلوم انطلقت شرارتُها الأولى منه، حتّى لكأنّه البوادر الأولى لمنظّمات المجتمع المدني في واقع لم يعرف وقتَها مثل هذه المنظّمات، وداخلَ ثقافة ترى المدنيَّ في تضافر كلي مع الروحي، لأنهما يصنعان الوحدة الاستثنائية المزدوجة والمتفاعلة، في تاريخ الرسالات السماوية، وفي تاريخ الحضارات ذات المرجعية الإيمانية، ولقد عبّر “توماس جولدشتاين” عن هذا المعنى في المجال العلمي فقال: “كان ما تعلّمته العصور الوسطى من الإسلام هو هذا الابتهاج بتنوّع تفاصيل الطبيعة واستخداماتها من أجل المجتمع. وبتأثير هذا الالتقاء اتخذ الغرب الخطوة نحو غرس العلوم المتخصصة انطلاقا من اللبّ الفلسفي الأصلي. وكلّ علم متخصّص على حِدَة في الغرب يَدين بأصوله إلى الدّافع الإسلامي- أو على الأقل باتجاهه منذ ذلك الوقت فصاعدا…”[12]

إنه على العكس تماما ممّا وقع في المجتمعات الغربية، فإنّنا بمقتضى تجربتنا مع “السياسة” ومع “الإسلام” كدين لأغلب هذه الأمّة، كان علينا أن نُفكّر في إعادة الاعتبار للإسلام بعد أن تسلَّطت عليه الدولةُ العلمانية أكثرَ من ستّين سنة، وسلبته كلَّ تأثيره، وحجّمته لصالح تيّارات فكريّة غريبة لم تجد مشروعيتَها داخل المجتمع العربي الإسلامي رغم كلّ التأييد الذي تجده من لدن أصحاب القرار داخل البلاد وحتّى خارجَها.

لقد ابتُكرت العلمانية في المجتمعات المسيحية كآلية للحدّ من تسلُّط الكنيسة بعدما عانى النّاسُ من الكنيسة الوسيطة الويلات، أمّا مجتمعاتنا العربية عموما، والمجتمع التُّونسي خصوصا فقد عانى من الدولة العلمانية الويلات. فقل لي بالله عليك، كيف نجعل “العلمانية” الحل لهذه المجتمعات بعد كلِّ هذه المعاناة التي جنتها منها وانتهت بِحرْق الناس أنفسَهم احتجاجا على واقعهم؟

إنّ إرادة الرفض التي يُعرب عنها أغلبُ العرب والمسلمين تجاه “العلمانية” موقف واع جدّا، وناضج منهجيًّا إلى حدّ كبير:

- فهو يُعرّي خللا منهجيا -لدى دعاة العلمانية- في معالجة واقعنا، لأنهم يُعالجون واقعا إسلاميا بوعي مسيحي

- وهو يُعرب عن إدراكه بأنّ العلمانية ليست مجرد الفصل بين الدّين والدولة، بل هي في عُمقها فصل بين القيم الدينية والدولة… إنها محاولة لتحييد “القيم الإسلامية” لصالح “الربحية” المجحفة، والتحرّر الفجّ الذي يتجاوز كلَّ القيم، حتى يسهل على الشركات الرأسمالية أن تبتزَّ الناس في كل شيء: في حريتهم الحقيقية، وفي أجسادهم، وفي أموالهم لصالح القابضين على رؤوس الأموال بوحشية لا تخفى على أحد عبر العالم كلّه

- وهو يستبطن القناعة بأنّ مقولة البراءة “للعلمانية” من كلّ توجيه سلبي غير مُقنعة، لأنّ “العلمانية” -كما ينبئ به تاريخها في كل المجتمعات تقريبا- ليست سوى الطريق المُعبَّد لنسف كل الثوابت في حياة المجتمع، وتمزيق كل الخيارات الجوهرية التي تُعطي التونسيَّ خصوصيتَه

فالمتوقَّع -كما تنبئ مسيرة الشعوب كلِّها- أننا بعد ذلك لن نستغرب أبدا أن يُصبح زواج المثليين جائزا باسم “العلمانية“.

وأن يصبح عباد الشياطين يرتعون في أرضنا ويعبثون بفلذات أكبادنا باسم “العلمانية“.

وأن يكون زواج المحارم جائزا باسم “العلمانية“.

وأن تكون الخيانة الزوجية معقولة باسم “العلمانية“.

وهل نقدر أن نقول “لا” مادمنا قد سلّمنا بالفصل الكُلّي بين “القيم الدينية” و”الدولة“…

- كما يستبطن وعيا واضحا بأنّ المجتمعات العربية الإسلامية تملك من داخل ثقافتها أدواتها التي بها تقدر على أنتكفل الحريةَ الدينية لكل إنسان دون الحاجة إلى استيراد حلول خارجية مسقطة

- وهو ترجمة لما أُشربَتْه المجتمعات العربية الإسلامية، واستقرّ في رُوعها قناعةً راسخةً حاكمةً لكلّ موقفها، وهو أنَّ جوهرَ الثقافة العربية الإسلامية يرفض “الحاكمين بأمر الله”والذين لم يُعرفوا في تاريخنا إلا في دولتي الفاطميين والصفويين من الشيعة، ولكنّه كذلك يَرفُض “الحاكمين بأمر أنفسهم” أو “الحاكمين بأمر فرنسا” أو غيرها… لأنّ الاستقلالَ الحضاريَّ والثقافيَّ منسوبُه عند هذه المجتمعات عالٍ جدًّا ويأبى “الاصطفافَ” السلبيَّ، دون أن يكون مانعا –طبعا- من كلّ تعاونٍ واعٍ أو تفاعل متوازن مع كلّ مشروع فكري إنساني لأنّ الحكمةَ ضالّتُه.

وإذا كانت هذه إرادة الأغلبية داخل المجتمعات العربية الإسلامية، فإنه من التعالم أن نُشكّك في نُضج هذا الاختيار الحضاريّ المصيري، وهو ضرب من ضروب الوصاية أن يزعم كثيرون هنا أو هناك أنهم يعرفون العلمانية بينما لا يعرفها غيرهم إلا لِماما، لأن ذلك ممّا يُضاعف نفورَ هذه المجتمعات من العلمانية المتعالية ومن العلمانيين المتعالمين الذين يُنصّبون أنفسَهم حكَما على درجة وعي مجتمعاتهم، وقد أظهرت الثَّورة التونسية أن الشعوبَ أكثرُ وعيا من نُخبها، وأكثرُ حيويَّةً، وأعمقُ قدرةً على تحقيق مشاريعها، وقد آن الأوان لهذه التي تعتبرُ نفسَها نُخَبًا أن تتواضع وأن تُنصِت مليّا لنبضِ الشُّعوب، فقد تحدّثت الشّعوبُ “لو كانوا يسمعون أو يعقلون!!”، علّهم يتعلّمون من شعوبهم ما قد فاتهم من فنّ الوعي للواقع، وفنّ التغيير له، وفنّ رعاية الذات وتطويرها داخل أرضها لا خارجها وبوسائلها لا بوسائلَ وُرّدت من هنا أو هناك… علَّهم يتعلّمون منهم فنّ الاستعصاء على “الوعي المستورد” والإقصاء

الهوامش:

[1] أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، ص.ص. 194-195

[2] قال الشاطبي في الموافقات: “الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية.‏” (4/179)

[3] أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، ص.ص. 194-195

[4] والحقيقة أن الأمثلة في واقعنا الراهن أكثر من أن تُحصى وفي المجالات كلّها:

- فقد أبتت الأزمة الاقتصادية أيّامنا هذه إفلاس النظم الاقتصادية الليبرالية المتوحشة والمبنية في جوهرها على الربا الفاحش وعلى بيع المعدوم… وغيرها من صور المعاملات التي لم يُخف الإسلام تحذيره منها ومن عواقبها، وقد رآها العالم كله كيف أنها تأكل رأس ماله وتهدّد دولا بأكملها في مصيرها واستقلالها….

- كما تثبت الدراسات العلمية يوما بعد يوم بأنّ ما نغمض عنه أعيننا من “المحرمات” في عرف الدين يبقى داءً حقيقيا يفتك بالبشرية مهما أخذنا له أسباب الحيطة عنادا، وليس أدلّ على ذلك مما تؤكّده المؤسسات الصحية هذه الأيام من أن الخمر أكبر “قاتل” أكثر حتى من الإيدز والسل

(Stephanie Nebehay: L’alcool tue plus que le sida ou la tuberculose, prévient l’OMS, Reuters, Vendredi 11 février, 16h27)

[5] ابن القيم: إعلام الموقعين: 4/267

[6] حلف الفضول أي حلف الفضائل والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس… (تفسير القرطبي: 10/151)

[7] حُمْرُ النَّعَم: كَرَائِم الإبل، وهو مثل يُطلق على كلّ نفيس

[8] سيرة ابن هشام: 1/264 – الطبقات الكبرى: 1/128-129

[9] “La société ne peut vivre que s’il existe entre ses membres une suffisante homogénéité”

[10] صلاح الدين الجورشي: المشهد الإسلامي في تونس

[11] المرجع نفسه

[12] توماس جولدشتاين: المقدّمات التاريخية للعلم الحديث: 116


Share
طبــــاعة طبــــاعة