تحولات الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي (1)

د. رفيق حبيب
5 مارس, 2013

د. رفيق حبيبمن يسقط النظام؟.. معركة استكمال الثورة

شكل النظام المصري السابق منظومة حكم تسلطي متكاملة، مكنته من فرض سيطرته بالكامل على الدولة والاقتصاد، والعديد من مناحي الحياة؛ كما مكنته من السيطرة على القوى المعارضة، من خلال الهيمنة على المجال العام، ومختلف أنواع الأنشطة العامة. ولم يحقق النظام السابق هذه السيطرة من خلال السيطرة على رأس نظام الحكم فقط، بل من خلال السيطرة على مختلف أدوات السلطة والنفوذ والمكانة، ومن خلال بناء شبكة مصالح مترابطة، ومنتشرة في مختلف أرجاء الدولة والمجتمع، ومهيمنة على مختلف المؤسسات الفاعلة في المجتمع.

أسقطت الثورة رأس النظام، وأي ثورة لا تستطيع إسقاط إلا رأس النظام، وتبقى البنية التحتية للنظام، تقاوم الثورة، وتعمل على وقف مسارها، وما ينتج عنها من تغيير وإصلاح. وعندما تتحرك القواعد والكتل الاجتماعية المؤيدة للنظام السابق، للدفاع عن مصالحها، تدخل الثورة في أهم معركة لها، وهي معركتها الأولى، أي معركتها مع النظام السابق. لهذا يصبح التخلص كليا من النظام السابق، هو اللحظة التي تنجح فيها الثورة، وتسقط النظام فعلا، وتبدأ مرحلة جديدة، بعد طي صفحة النظام السابق كليا. ولكن إذا فشلت الثورة في القضاء على النظام السابق كليا، وبقى بأي صورة من الصور، فإن استمراره يعني أن الثورة لن تستكمل أهدافها، لأن بقايا النظام السابق، سوف تصبح عقبة سياسية، تمنع الثورة من تحقيق كل أهدافها، وتجعلها ثورة ناقصة أو غير كاملة.

يبدأ موقف قوى وأنصار النظام السابق من الثورة، بمرحلة صد الثورة ومحاولة إفشالها، أي مرحلة إجهاض الثورة، ثم مرحلة الثورة المضادة. أما المرحلة التالية، فهي مرحلة الدخول في العملية السياسية، لتصبح قوى النظام السابق جزءًا من القوى السياسية الفاعلة بعد الثورة، وتحاول القيام بدور مركزي في توجيه العملية السياسية، والتأثير على ما ينتج عنها من تغيير وإصلاح.

لهذا تبرز العديد من الأسئلة المحورية: هل يسقط النظام السابق كليا؟ ومتى يسقط؟ ومن يسقطه؟

تمثل مصر حالة خاصة في دول الربيع العربي، لأن ما يتحقق في مصر سوف يؤثر على بقية دول الربيع العربي، كما سيكون له تأثير على بقية الدولة العربية والإسلامية. لذا يمكن القول إن نجاح الثورة المصرية في التخلص من النظام السابق كليا، وبناء نظام سياسي جديد، ومنع أي محاولة لإعادة إنتاج النظام السابق، سوف يمثل الانتصار الأبرز للربيع العربي، الذي يجعله بالفعل مرحلة تاريخية جديدة، لكل المنطقة العربية والإسلامية، بل ولكل العالم.

مراحل المواجهة

بدأت المواجهات بين النظام السابق والثورة، منذ اللحظة الأولى لاندلاع شرارة الثورة، ومرت تلك المواجهة بالعديد من المراحل:

في المرحلة الأولى حاول النظام السابق اجهاض الثورة قبل سقوطه، وكانت موقعة الجمل الشهيرة، أهم لحظات محاولة اجهاض الثورة الوليدة.

في المرحلة الثانية، وبعد سقوط رأس النظام، تركزت محاولات النظام السابق على اجهاض مسيرة الثورة، حتى لا تحقق تغييرا فعليا، وتصبح مجرد تظاهرات اسقطت رأس النظام، دون أن تغير النظام نفسه. وفي هذه المرحلة حاول المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحفاظ على النظام القائم، مع تبني التحول الديمقراطي، باعتباره أصبح ضرورة حتمية. وكانت هذه محاولة لحصر الثورة في مطالب يتم تحقيقها من خلال النظام السابق نفسه. وهي المطالب التي رفض النظام السابق تحقيقها قبل الثورة.

بعد انتخابات مجلس الشعب، تأكد أن نتيجة الانتخابات تفتح بابا واسعا للتغيير، بسبب صعود القوى الإسلامية وتصدرها للمشهد السياسي، فكان من الضروري الحد من تداعيات نتائج تلك الانتخابات، حتى يتم تأمين بقاء النظام السابق، وإعادة إنتاجه بصورة ديمقراطية محسنة.

عمل المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تأمين بقاء السلطة التنفيذية في يد نخبة النظام السابق، حتى يبقى النظام قائما. وفي نفس الوقت حاول السيطرة على وضع الدستور الجديد، ليؤمن بقاء منظومة النظام السابق، من خلال إعطاء دور سياسي للقوات المسلحة، حتى تحمي بقاء النظام السياسي السابق، وتمنع بناء نظام سياسي جديد. كما عمل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، من خلال أذرع الدولة العميقة في القضاء، لحل الكيانات المنتخبة، ممثلة في مجلس الشعب والجمعية التأسيسية، حتى ينهي الصعود السياسي للقوى الإسلامية، ويسمح بإعادة الانتخابات، حتى تتمكن قوى النظام السابق من العودة مرة أخرى للحياة السياسية.

تصدت جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، لمحاولة إبقاء السلطة التنفيذية في يد نخبة النظام السابق، بعد انتخابات مجلس الشعب، حينما ظهر إصرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة على إبقاء السلطة التنفيذية في يد نخبة الدولة. فقام حزب الحرية والعدالة بحملة سياسية

لتغيير الحكومة، وتشكيل حكومة تمثل القوى السياسية المنتخبة في مجلس الشعب. وأظهرت تلك المعركة أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لن يسمح لقوى إسلامية بتشكيل الحكومة.

وفي نفس الوقت، تصدت جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، ومعهما القوى الإسلامية، لكل محاولات وضع مبادئ فوق دستورية حاكمة، والتي عرفت إعلاميا بوثيقة السلمي، وكانت تهدف إلى وضع مبادئ تحكم الدستور الجديد، وتقيد المرجعية الإسلامية، وفي

نفس الوقت تمنح القوات المسلحة دورا سياسيا للحفاظ على الدولة القائمة والنظام السياسي القائم قبل الثورة.

استطاعت جماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية، النجاح في التصدي لمحاولات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، للحفاظ على النظام السابق، وفرض نظام سياسي جديد، يعد امتدادا للنظام السابق، ومنعت تدخل المجلس الأعلى في عمل الجمعية التأسيسية، لكنها واجهت أحكاما

قضائية سياسية، حلت الجمعية التأسيسية، وتمكن مجلس الشعب من تشكيل جمعية جديدة، قبل أن يُحل المجلس نفسه.

أدركت جماعة الإخوان المسلمين، أن المعركة الأخطر في مسار الثورة تتعلق أساسا بالسلطة التنفيذية، وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يعمل جاهدا لمنع وصول أي قوى إسلامية للسلطة التنفيذية، وأنه بهذا يؤمن بقاء قوى النظام السابق مسيطرةً على السلطة التنفيذية، حتى تتمكن من إعادة إنتاج نفسها مرة أخرى بصورة جديدة. وكان من الواضح، أن قوى النظام السابق، تراهن على وصول رمز منها لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية. وبات واضحا أن قوى النظام السابق، تحاول إعادة دورها السياسي، ولكن من خلال الانتخابات، حيث تأكد أن التحول الديمقراطي لا مفر منه.

دخلت جماعة الإخوان المسلمين معركة الانتخابات الرئاسية، في أسوأ لحظة بالنسبة لها، حيث بلغت الحملة الإعلامية ضدها ذروتها، وأيضا بلغت حرب الاشاعات ذروتها، مع استمرار عملية بث الاضطراب والمواجهات العنيفة في الشارع، والتي خطط لها ودبرها أنصار النظام السابق.

بنجاح مرشح جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، الدكتور محمد مرسي، كأول رئيس مدني منتخب بعد الثورة، استطاعت الجماعة توجيه أكبر ضربة لمخططات قوى النظام السابق. واستطاع الرئيس المنتخب، ومن خلال العديد من المعارك المتتالية، إنهاء الدور السياسي المباشر للقوات المسلحة، وتأمين عمل الجمعية التأسيسية، وصد المخطط القضائي الهادف لهدم الجمعية التأسيسية. مما مكنه من تأمين صدور الدستور الجديد، كأول دستور شعبي، تكتبه لجنة منتخبة من ممثلي الشعب. وفي نفس الوقت تصدى الرئيس المنتخب، لعملية انقلاب منظم على مؤسسة الرئاسة، كانت تهدف للوصول إلى السلطة، بغير الطريق الديمقراطي، وأفشلها عدة مرات. وكانت جماعة الإخوان المسلمين، مدركة لخطة الانقلاب على الثورة، من خلال اسقاط أول رئيس منتخب،لإسقاط شرعية الانتخابات الديمقراطية، لذا قامت بدورها لحماية شرعية الرئيس المنتخب، بعد أن بات واضحا أن أجهزة الدولة لن تحمي الرئيس المنتخب، لأنها مازالت تحت سيطرة قوى النظام السابق. وهي سابقة تاريخية، حيث تحمي حركةٌ شرعيةَ رئيس الدولة، في حين تقف الدولة ضده. مما يعني أن الدولة وقفت ضد شرعية الإرادة الشعبية، أما جماعة الإخوان المسلمين، فحمت شرعية الإرادة الشعبية.

خلال كل هذه المراحل المتتالية، أتضح أن قوى النظام السابق انتقلت من مرحلة وقف مسيرة الثورة، وإطالة المرحلة الانتقالية، إلى مرحلة السيطرة على طبيعة النظام السياسي الجديد، إلى مرحلة السيطرة على السلطة التنفيذية؛ وكل هذه المراحل كانت تهدف في الواقع إلى إعادة إنتاج النظام السابق بصورة ديمقراطية محسنة، حتى يمكن قبوله مرة أخرى من عامة الناس، وحتى يستطيع أن يستمر في السيطرة على الدولة والاقتصاد، مما يساعده على فرض نفسه مرة أخرى، وإن كان بصورة ديمقراطية. في كل هذه المراحل المتتالية من الصراع، ظهر أن جماعة الإخوان المسلمين، هي القوة الأولى التي تتصدى لكل هذه المحاولات، وتدفع ثمنا غاليا في تلك المعارك؛ وأن القوى الإسلامية عامة، هي التي تتصدى لمخططات قوى النظام السابق، وإن كانت القوى الإسلامية لا تشارك جماعة الإخوان

المسلمين في كل المعارك، خاصة وأنها لم تشارك في معركة تغيير الحكومة بعد انتخابات مجلس الشعب، ولم تشارك في معركة الانتخابات الرئاسية، والتي كانت ذروة المعارك مع قوى النظام السابق.

ومع فشل محاولات الانقلاب على السلطة المنتخبة، من خارج إطار العملية الديمقراطية، تتحول المعركة بين قوى النظام السابق وقوى الثورة إلى العملية السياسية نفسها، لتصبح العملية الديمقراطية، هي ساحة المعركة. وكانت معركة الاستفتاء على الدستور واحدة من المعارك المركزية، حيث استطاعت قوى النظام السابق حشد كل القوى السياسية غير الإسلامية، وأنصارها، في تحالف ضد القوى الإسلامية، وضد الدستور الجديد، وهو ما مثل انتصارا لقوى النظام السابق، حيث استطاعت توفير غطاء سياسي ثوري لها، لتعيد إنتاج نفسها داخل إطار الثورة.

وقد ظهر جليا في أغلب المعارك، أن القوى العلمانية لم تنحز للثورة في المعارك بين قوى الثورة الإسلامية وقوى النظام السابق، بل ساهمت القوى العلمانية في تعضيد موقف قوى النظام السابق. فأغلب القوى العلمانية أيدت السيطرة على الدستور الجديد بمبادئ فوق دستورية، وأيدت وجود دور سياسي للقوات المسلحة، وأيدت مرشح قوى النظام السابق في الانتخابات الرئاسية، وأيدت أحكام القضاء التي حلت الكيانات المنتخبة شعبيا، رغم أن الإرادة الشعبية تعلو على كل السلطات. كما أيدت أغلب القوى العلمانية محاولات قوى النظام السابق إسقاط أول رئيس منتخب، واقامت تحالفات سياسية مع قوى النظام السابق. مما يعني أن أغلب القوى العلمانية كانت في صف قوى النظام السابق في أغلب المعارك، وأن القوى الإسلامية وقفت ضد قوى النظام السابق في أغلب المعارك، وأن جماعة الإخوان المسلمين هي التي تصدت لقوى النظام السابق في كل المعارك.


Share
طبــــاعة طبــــاعة

تعليق واحد

  1. غير معروف

    مقال رائع يا دكتور رفيق